حمد الراشدي
مسقط
١٧ رمضان ١٤٤٦ هـ - ١٧ مارس ٢٠٢٥ م
البِشكار والكرّاني * مُفْردتان من مستوردات الميناء المطرحي التليد ، لكنّهما تجَذّرتا فيما بعد لتكونا صفةَ مَن يعمل مع مَن يملك ويتاجر في السوق المتميز بضاعةً وباعة . فالبشكار هو مَن احترف أعمال المساعدة اليدوية ، أمّا الكرّاني فهو المساعد الكتابي والمحاسبي . ووقتَها يومَ كان هذا السوق الوحيد لجلب البضائع التموينية ، وهي الأساس ، من هندها وسندها وسيامها لم يأنف أحدٌ من البشكرة او الكرْنَنَة ، بل إن كثيرًا منهم بعد أن بدأها كمصدر رزق اعتبرها مدرسة لتعلّم الصنعة ومِن بعدُ جسورًا للعبور الى مرحلة " الهنقري " المالك والتاجر ، وله كَرّانيته وبشاكيره ، الذين يقومون بنفس الأعمال ، التي كان يقوم بها " الهنقري " الجديد . ثم يعبرون كما عبر ، مسالك الصعود والارتقاء في العمل والتجارة والثروة . وكما اجتذبت السوق بشاكيرها وكرانيَّتها فإنها صنعت مع الأيام تُجّارها الذين كوَّنوا على مرّ الايام العلامات التجارية الشهيرة للحرفة التي ورد في الأثر انها تشكل " تسعة أعشار الرزق " . وقد جاء خالد إلى السوق بنفس العازم على أنْ يبيع ما أحضره من بزٍّ حِيكَ في أحياءَ قريبة ، ولمّا أصاب حظًّا من التوفيق ، وبعد أكثر من كرّة وحضرة تُلفت نباهتُه وحضوره وحِثْيَّته أحدًا من المُبتاعين منه من التجارالضالعين في تجارة البزّ بأحجامه وكمياته الواسعة بيعا وشراءً ، فيعرض على خالد أن يعمل معه كمساعد " كرّاني " ، ويقبل خالد الناظر الى ما هوأبعد ، لا على اساس ضمان دخل شهري يكفيه مأنوة الغدْوَ والرّواح من وإلى حيث يسكن مع أسرته ، ولكن على وقعٍ من طموحٍ ساكنٍ في أعماقه وبات يدغدغه كلّما نظر حوله من حركة دبيبة أخذًا وعطاءً في التبادل التجاري ، ومنه اكتساب ثروة ومال وعُلوّ شأن . ويدخل في عراك التجربة من باب واسع فيعمل ويكدح ويجيد ويتقن وينال الثقة تِلو الثقة من مخدومه ، ويصعد بالعمل والتجارة التي يمارسها إلى مجالات أخرى تعدّت البزّ والقماش والمِصار والوِزْران إلى عمليات الاستيراد والتصدير المرتبطة بما هو أغلى وأنفس وإن خفّ وزنه وصغُر حجمه ، وجاءت المتاجرة في الأصفرين ، ولو بالتهريب إلى ما وراء البحر ، من بنات أفكار خالد التي استقاها من معايشةٍ عميقة لحركة التجارة في بواطنها ومن أين تُقضم أكتافها . ومن خلال علاقاتٍ استطاع أن ينسجها في محيطه مع أقرانه في نوع العمل أو صنوف التجارة الشتى . ولمّا رأى خالد أنّ زرعَه قد " استوى على سوقه " وأنّ الخبرة التي تطلّع إليها والسمعة التي كان ينشدها قد " شبّت عن الطوق " لم يتردد في مبادرة مَن كان يعمل له في الخروج بمعروف ليخوضَ بنفسه غمار التجارة " الحرة " ، فيمضي بعزيمة الواثق مُسلّحًا بتجارب وذخيرة وافرة من العلاقات التي هي أساس النجاح في التعامل التجاري فيما بين التجار ، فيما يتبادلونه من بضائع ويتعاقدون عليه من مصالح ، تُغلّفها وتؤطرها الثقة في نشئها وعقدها وحَلّها . ولمّا كان خالد الان أصبح هو المالك لتجارته المحدّد لمساراتها ، العائد اليه مباشرة جنيُها وثمارُها لم تخفت عنده ذرّة من جهد او نَزْرٍ من نشاط ، فسار على سجيّته وطبيعته في المثابرة والمكابرة ، واستشراف الفرص والإجادة والإتقان تكريسا لما حقّقه وجناه ، ومحافظةً بل ودفعًا لنبضٍ من نجاح لا بدّ ان يكون متصاعدًا خاصة في عالم التجارة ، كما هو وَعى ممّا استجابت له التجارب السابقة من مُؤتيات لم يكن كلها بمحض الصُدَف أو الفرص السانحة وإنما بعد لايٍ تَكابَرَ معه تكابُر الأبواب التي كان يطرقها . وهو الان مخدوما من بشاكير وكرّانية لم ينس أن يُعط المثال ويكون القدوة في العمل القائم على الإخلاص والاتقان ، ولم يمارس الفوقية على أيٍّ ممّن عمل معه كمساعدين ، وسيكون الأحرص منهم وعليهم لأنْ يكتسبوا الخبرة فبها يجيدون " الكرّانية "
ويتقنون وينجزون ، ويُجددون فيلقحون أفكارهم فتولد " كِشافًا " وتنتج " تُواما " فتشيع ثقافة المعرفة من أجل العمل ، ويصبح العمل أكبر من مجرد بندول ساعة حائط يحسب الدقائق قبل الساعات لانتهاء يوم العمل ، دون التفاتٍ إلى نوع وحجم الانجاز والانتاج . وقد حسبها يوما " تايلور " في بواكير الثورة الصناعية الغربيّة ليضع أسس العمل والانتاج في مقابل الوقت ، لكنّ مجموعة خالد تشرّبتها من مدرسته هو في الضبط والرّبط والأداء المقارن بالزمن . وكم منهم من كانت تُراوده أحلام خالد عندما جاء السوق في المَرّة الاولى وعزم ألّا يفارقها إلّا مملوءَ الكشح عريض الخاصرة . ولم يكن أمام أيٍّ منهم ما يمنعه من إتيان ما يحلم به إلّا أن يتهاون في جهده ، أو يتراجع في الكرّانيّة تجارٌ نافخين للَهيب التداول والتبايُع في الأرْوقة والسكك التي تعدّت كوْنَها اثنتين إلى ثلاث ورباع وسباع وغزت الحارات المجاورة ، وغدت المدينة كلّها سوقا رائجة رائدة .
بقي أن نتألم ، لأن هؤلاء الكرّانية الجُدد الذين اصبحوا " الهنقرية " والملاك والتجار والعاقدين الحالِّين لكلّ صغيرة وكبيرة لم يكونوا من طينة خالد أو من أديم الارض التي ينتمي اليها ، ولا من أبناء المدينة الذين ولدتهم وأرضعتهم .
* ورد في بعض المصادر ان أصل كلمة " بشكار " هي من اللغة الإجليزية : Push car
نسبة إلى من كان يعاون سائق السيارة في دفعها إذا تعطلت أو غرزت عجلاتها في الرّمال .
أمّا الكرانيّة فربما جاءت من لغات شبه القارة الهندية أو الفارسية .