الصورة: موقع السنتري بمطرح - تصوير: ذياب بن صخر العامري
حمد الراشدي
مسقط
٢٨ ذو القعدة ١٤٤٤ هـ - ١٧ يونيو ٢٠٢٣ م
هو واحدٌ من صنوف آدميتنا الُمكرَّمة ، لكنه آلَ إلاّ أن تكون هذه الكرامة في سياقها الذي لا يستلب منه دورالإسهام في العطاء ولو " بشِّق تمرة " ، بالرغم من أنه حُرم من قدرة التواصل المنطوق مع الغير ، لكنّ هذه الأبكمية هي التي ، ربَّما ، دفعته ليكون مفردة حاضرة في كلّ صباح مطرحىّ يتنادى فيه الناس الى أعمالهم ومصالحهم . السَّنتري الكلمة هي المُسمّى الذي كان يطلق على الشرطي المُكلف بتنظيم وإعطاء أحقية السير للسيارات التي كانت ترغب في الالتفاف يمنة أويسرة في شارع مطرح الوحيد ذي الإتجاهين في نقطتين واحدة أمام البوابة القديمة ، التي كان يطلق عليها مسمى " الدَّرْوازة " ، الكلمة المُحوَّرة من النطق باللغة الأرديّة للباب أو البوابة ، والثانية عند الالتفاف يميناً عند مدخل سوق المدينة للقادم من جنوب مطرح ، أو المناطق الأخرى في اتجاه مقرّ والي مطرح أو بيت البرزة ، ومن ثمّ لمن يريد المواصلة الى المدينة القديمة في مسقط . وكان اتجاه السيروقتها على اليسار قبل عام ١٩٧٠ ، لكنّ هذا " السنتري " المُكلَّف أُوقف العمل به ، بعد ان أُزيلت النقطتان ( الثانية أولاً ) والتي كان يقف عليها ، وغُيِّر نظام السير إلى اليمين ، وأُدخلت بعض التعديلات والتحسينات على الشارع الذي يشقُّ وسط مطرح ، ويقسمها إلى جانبين شرقي وغربي قبل مدخل السوق ، وجنوبي وشمالي بعد الانحناء يميناً عند السنتري بداية محلّة العرين " العريانة " إلاّ من الخيروالجود سابقاً .
رأت السلطات المختصة في حينها انه لم تعد هناك حاجة الى " سنتري " لكنّ " البَغام " كما كان يشار اليه تجنيَّاً ، والمرابط دائما في تلك النواحي كان له رأي آخر ، وعَبّر عنه بأخذه المبادرة في توجيه حركة السير ، كلَّما رأى أنّ هناك اشتباكا واختناقا استوجب التدخل لفك وحلحلة التشابك بين السيارات ، ليمضي كلٌ في طريقه ، وتنسابَ الحركة المرورية كما لو كان مَن نظّمها شرطي نظامي . السنتري التطوعي هذا استنعم ، ما في ذلك شك ، بما استنعم به الجميع من خيرٍ استحضرته منجزات النهضة منذ شهورها الاولى ، لكنه دُفع من نفس تلذّذت ألم الصبر ، على حالٍ كما هو حاله التى لم تسمح له بارتياد أعمالٍ محددة بالشكل الذي يقنع به او يقبله الغير ، دُفع الى أنْ يغالب ألَمَ البُكم أو الإعاقة النطقية بإعطاء دروس لا في البذل العفوي المُسطَّح ، كما قد رآه البعض وحرَّكَ فيه لذاذةَ التفكه ، بل في عمل أثنى به هو على نفسه ، لانّ حاملها وجد له دورا يؤديه وعملا يزجيه للاخرين ، مقابله لم يكن من " المراهم " لكنّه رضاً في أعماق نفسه التّواقة لوضع بصمة لها في دفتر الحياة . النظرة التي يفتقر إليها معظم الأصحّاء وهم يتدافعون لتحقيق مآرب آنية لا يتجاوز أثرها منهم الحجاب الحاجز من الأعلى أو تحت الصّرة في الإتجاه الآخر ، وما احوج الواحد ان تكون له بصمة وأثرٌ في سياق حركة تبادلية مع الاخرين ، على مسرح الحياة الواسع ، وبدون هذه البصمة لا يعلم لهذا الواحد على أي خانة من الفاصلة موقعه ، يمينها اويسارها ، وقد يكون صفرا على الشمال ، إلا من نَطَّقَ " البغامَ " الداخلي في نفسه ، وتسنَّمَ رجليه وخاض غمارها وغاصت قدماه يسرا وعسرا في حقوفها ووحولها وناكف نُمورَها وهادنَ وعولها .
السنتري التطوعي رُبّما لبّى نداء وحاجة في نفسه ، لكنّه في نفس الوقت ، ناب عن الكثير في تنظيم طريقهم ، وجاء هذا التنظيم على بساطته في فك ازدحام مروري ، أو توجيه سيارة بعد اخرى في ملتقى يعجُّ بالحركة والحياة ، مثل رمزية الحاجة الى وجود مُنظّم للناس في كل شيء ، وأنّ هؤلاء الناس ، في خِضّمٍ من الزحمة والتراكض الحياتي يغفلون او يتغافلون التمسك بلوازم بسيطة ، لكنها مهمة ، وتساعد في التقليل من المسافة بينهم وبين مقاصدهم في السير ومراميهم وأهدافهم في الحياة . ومن لا يسمح بالتناوب المروري من ذات نفسه في خط سير مزدحم اعتقادا منه بانّه الأحقّ ليسبق غيره ، فإنّه لا يفعل ذلك إلاّ ليؤخّرَ نفسه ويؤخر الاخرين ، كمن يمشي حاملا العصا والسُّلّم بالعرض ، فيتوقف كل شيء ، وتتدحرج قطعة الدومينو الى كل مكان ، فتكون كالحلقة الأضعف في سلسلة مترابطة من الحلقات ، ذلك أنّ التقدم في كل عمل بشري مترابط محكومٌ تقدّمه بتلك الحلقة الاضعف ، تماما كالجسم الذي يتداعى سهرا وحُمّى لأيّ جزء منه أصابه وهن أو مرض . ومن يحتاج الى " السنتري " المتطوِّع لتنظيم اتجاه سيارته لا يستبعد أنْ يكون مأزوما بتراصّ التجاعيد في وعيه الأعمق الموجِّه لسلوكه ، وقد هرم قبل ان يكتهل وشاخ قبل أنْ يشبّ . وما اكثر ذلك ليس على دروب السير والطرقات المعبدة وغيرها ، بل في شمولية تضاعيف الحياة بأعمالها ومصالحها وعلاقاتها وتشابكاتها بين الناس .
هي قلّة ، على ما اظن ، من تكون له أحلام وآمال ثم يضع ترتيبا ومخططا لها ، ومن هذه القلة قِلّةٌ كذلك مَن يضع في حسبانه انه ليس وحده في تلك الأحلام وليس وحده في الطريق للوصول إليها ، وليس بحاجة الى " السّنتري " لتوجيهه في الاتجاه المناسب ، ذلك انه قد تتقاطع مخططاته مع آخرين ، وأنّه كما رتّب أحلامه ونخلها من التزاحم برويّة وصبر وسعة بال ، فإنّ نفس الوصفات مطلوبة وبجرعات أكبر في معترك الحياة الخارجي ، وأنّ اعطاء مساحة للغير لا تعني اطلاقا تنازلا عن حق ، بل قد يكون أقرب الطرق للوصول الى المبتغى . هي تماما فلسفة الرابح مع الرابح كما يعرفها الاقتصاديون ، ويقاس بها مستوى الوعي في ادراك المقاصد وتحقيق العمران بأقل التكاليف ، لخروج التعطيل وما استنزفه من وقت وجهد من طريقه قبل تدخل " السنتري " أو " البغام " . وهذه الجوانب لا تتم الا بوجود " السنتري" الداخلي لدى كل واحد يتأبَّطُ خيرا , وهذا يبدأ تكونه وتخلُّقه بالوعي النابض بمفاهيم التدافع الصحيحة بين الناس ، لا بمقاييس الاستباق المحموم ، ثم بالقدرة على الاختيار لا بين خير الامور وشرها فحسب ، بل بين خيرَيْها ، الذي يعني في أُسِّه ترتيب الاولويات وتحديد المسارات ، ومعرفة محطات التوقف والاستراحات ، ثم الانطلاق بسماحة النفس الطيبة الصادقة مع ذاتها ومع غيرها .