حمد الراشدي
مسقط
٨ ذو القعدة ١٤٤٤ هـ - ٢٨ مايو ٢٠٢٣ م
تقول انها ابتدأت علاقتها بالكتابة والقلم من بعد حصة في التعبير ، نالت فيها رضاء معلمتها في الصف الاول الاعدادي ، وبشّرتها بما ستكون عليه في تالي الايام ، صحفية وكاتبة لها شأنها ووزنها ، اخذت طريقها على ذلك القياس ولعبت بالكتابة وأدواتها كمخاريق ابن كلثوم ، مستودعة في قرارة نفسها مشروعها الكتابي على هدي من الامال العريضة ، والاستعداد الذهني الغامر والخطوات الفذة . ولأنَّ مشروع الكتابة لا يبدأ الاّ بالقراءة والنّهل من منابع شتى ، فقد جالت اولا في بطون الكتب والقصص الروائية ، التي فرشت لها بساطا من الافكار غدت تتلذذ بها ، وتروح بها في تحليقات بعيدة ، وبعضها بعيد جدا عمّا رضعته وعبَّته في خدورمُرضيعها الأُوَل ، ممَّن أحال اليهم الاثر تقرير الصفة الدينية لمن يربونهم " أبَواهُ يهودانه وينصرانه " . ومع اشتطاط الولع بالافكار الجديدة التي باتت تتداعى اليها كلّما غاصت حتى فَوْدَيْها تحت سطح اللُّجة سابرة ما يتوهج داخلها ، أي اللّجة ، من قناديل وطحالب ، تزداد هي ولوعا بما أصبحت منكبَّةً عليه سادرة فيه ، وياخذها الى انماط من الكتب بدأت تمحورذاتها حولها . والهدف الان اصبح مختلفا نوعا ما، فلم تعد القراءة من اجل الاستيعاب المعرفي ليكون مخزونا ورافدا للكتابة ، التي قيل لها وعزمت هي ان تكون من صفاتها ومحترفيها ان لم تكن من مجددي فنونها ، بل ان الفكر الذي باتت تتغلف به هو ما صار هاجسها ومعينها الذي ترتوي منه .
الناعمة اتاحت لها بيئتها التي نشأت فيها سقفا عاليا من النظر إلى الأُفق الدنيوي الواسع ، وبالرغم من أنوثتها وجمالها الاّ انّ والديها لم يُدْمِيا مِعْصَم وحيدتهم بأي قيْد ، حماية اوخوفا ، لكنهم في ذات الوقت لم يُسَوِّماها دلالا ، فمَدّوا طولها الى ابعد ما يمكن مع ابقائهم لثِثْياه بيديهما ، وهو وضع لم يتمتع به الا القليل في مجتمعها . ومن هذا الوضع تهيَّأَ لها الخروج الآمن في وضَح النهار ، لا في عتمة من ليل او جنحة من ظلام تتخفى من الحُرّاس أو الرقَباء ، فطَوَّفَت باحلامها الدُّنا من أقاصيها الى أقاصيها ، وها هي الان ، كما رأت ، وقد تحررت من رداءِ التبعية الفكرية على اقل تقدير ، ونالت وثيقة الاستقلال ، بما اصبح مُكَوَّماً في باطنها المعرفي والفكري من رؤى ونظرات سيصفها الاخرون بالجنوح ، لكنّها اصبحت في طريقها وقد " ابتاعت بتاتها " واخذت عدتها ، وسيكون هذا الطريق شاقّا وعرا لافحة رياحه مهما استدارت وتلثمت اتقاء هجيره ورماله الحارقة . كانت الناعمة حينها قد أشرفت على بكورة العقد الثالث عندما بدات تفيض بما امتلات به ، حفَّزها في ذلك أخُ وسَطي غادر الحوش التقليدي الى فضاءٍ من الانفتاح غير المعهود في تلك الانحاء ، وجاهر بانفتاحه بل وبتمرده الذي طفح به على ما جُبل عليه من خطوط مرسومة في السياق المجتمعي العام ، لكنّه بالرغم من ذلك لم يواجه بالاعتراض الذي عادة ما يكون مدَوِّياً ، بل ومخلخلا للعلاقات الاسرية والترابطية خاصة مع الوالدين ، ولم يفهم في أيّ لحظة سر اللااعتراض ، خاصة من الأب إلاّ اذا حسب على افتراض ان له نصيبه مما يحسب في اللاّتَطَوِّيه بعوامل الجزاء والثواب الديني خاصة اذا تعلق الامر بمصالحه الدنيوية ، وان كان مرافقا لاقرانه في الطاعات العبادية التي تستوجب اسباغ الوضوء وانتظار الهلال ومسك السبحات .
الناعمة بدورها فكّت حزام الأمان المنزلي وألقت قنبلتها الأولى بانها لن تصوم رمضان ، لانّ الصيام كما قالت " خرافة " ، وان لا حاجة لها ان تجوع وتعطش من اجلها ، بالطبع هذه القنبلة ، في مجتمعها وبيئتها ، لم تكن من انواع الزجاجات الحارقة ولا من النوع المسماري ولكنّها من طبائع " الدّي أنْ إي " الناسفة لما تحتها وفوقها وما حولها ، وكيف لا وهي تأتي من انثى ، وإنْ أُرخي لها الزمام أكثر من قريناتها ، لكن لم يكن احد ممن اصابته شظاياها ، ناهيك عمّن اقتلعته من مكانه ، والقت به خارج السور ، ان يدور في خلده ان ريحا صرصرا ستهب يوما من ناحيتها ، وتخلّف وراءها اعجازا خاوية من الشُجيْرات التي استظلّت بها اسرتها الصغيرة والكبيرة ، واقتطفت ثمارها دفئا وحميمية ، إبّان كل ما سبق من الابعاد والمسافات زمنا وحياة ، سعادة وشقاءً ، حلوا ومرا . وكما اعلنت الناعمة بصريح عبارتها فان امتناعها عن الصوم ليس كسلا او اهمالا ، ولا من عدم قدرة على تحمل الجوع والعطش في حرارة من الجو لافحة للوجوه ، بل عن موقف ورأي تبنته ، وهي عندما وصفت " الصوم " بالخرافة كانت في تلك اللحظة قد حشدت كل دفاعاتها الى الخط الاول ، تهيئا منها للرد على اي اعتراض اومحاجّة كلامية على اقل تقدير .
من غرائب الامور وقتها انها لم تحتج الى استخدام اي مما استنفرته لأي دفاع ظنّت أنها ستواجهه ، ربّما لانّ مَن امامها كان لا يزال مشغولا بلملمة ما تبعثر من اشلائه الفكرية والمعنوية ، قبل ان يكون مستعدا لقول شيء ما ، او انّ ظاهرة الااكتراث لدى اقرب المعنيين من الناعمة كانت الاغلب ، وهي امتداد لنفس الظاهرة والطبيعة التي ارخت الحبال لها في البداية ، خاصة مع وجود جانب غير يسير من الوهن الثقافي والفكري في هذا المحيط المتلوِّن بكل شيء بين الجهل والمعرفة ، الفقر والغنى ، الرّضاء والغضب ، الانفلات والتعصب ، وانشغالٍ بهموم الحياة وما يلزمها وما لايلزمها . وقولية " خرافة " الصيام كما صعدت او نزلت بها الناعمة لم تكن مما سبقت به الفتاوى " الشحرورية " وان كانت قد سبقت ، اي الفتاوى ، زمانها ، ولم تكن هي الاولى من تنأى به قراءاته وتأوُّلاته الى البعيد الرخيص في الفكر الانساني . وكم من القصص التي نقلت عن متلذذي عيشٍ من الخلفاء الدمشقيين والبغداديين في شرائهم وافتدائهم للصيام بدنانير تُنْقَد لمن يستحق اعانة فيصوم نيابة عن الناقد . كما انّ تأوُّلها ، اي الناعمة ، لِماحطّت رحالها عليه لم يأت نتاج جلسة أصيلية ساحت فيها النفس في طوبائية التأمل اللامتناهي في الكون اللا متناهي ، فمن هذه الانحاء وحيث تسمو النفس في سماوات الخلق والابداع ومن فوقها الخالق " بديع السموات والارض " تبقى هذه النفس المزكاة على تسنُّمها ، عالية عن اي طشش يعلو قليلا ثم يدنو ببعض العلائق ، لكنّه جاء في انسجام مع غرورجامح ونزق طافح استطابت الناعمة به نهجها وهامت في أقدارها التي صوغتها لنفسها ، وزيّنتها طريقا مفروشا ب " الزنبق الورد " وقالت في كل مرة بما قالته في الاولى : انها غرفت من ذخائر كتبٍ واسفارٍ ممّا خطّه الاولون والاخرون ، وانها هي لا غيرها " على الطريق المستقيم " ، وان ما تعتقده ، جزماً ، هو جزء من حريتها في الاختيار و" بل الانسان على نفسه بصيرة " و أنّها تكتفي ب " من قال لا إله إلاّ الله محمدٌ رسول الله وإنْ.….. دخل الجنَة ".
ومرّت الايام والسّنون ثم شوهدت الناعمة بعد فترة من الغياب و الاحتجاب عن المجتمع ، على غير ما كانت عليه من تواصل وحضور ، وقد قَفَّزت يَديْها وغطّت شعرها بغطاء الرأس وهي التي ومنذ طفولتها وضرب المثل بانسياب فرعها اسودَ فاحمٍ" كخافية الغراب الأسحمِ " لم يعرف او تشاهد متلبسة بهذا الغطاء ، ولمن شاهدها وحفلها ممّن يعرفونها بادرته بالسلام وحتى بركاته ، وعرّفته بزهراتها الثلاث اللاتي كنّ بصحبتها مع افْتِرارٍ عريض عن " شتيت برود " .