حمد الراشدي
مسقط
١٧ رمضان ١٤٤٤ هـ - ٨ ابريل ٢٠٢٣ م
لا زالت يُمنى حارث تصطبغ بلون " بني غبراء " مع السبعين ، التي تراصت اثقالها في عوْمه الدنياوي باطرافه الأربعة ، من أجل أن يكفل يومه قبل غده ، تراص دأيات الصلب المُقَوّس ، مشدودة اليه ما تقَدّد من لحمة وسدى اوصاله الوجيعة منذ اول " ثوْج " حمله على ظهره ، وهو لازال بين مراكل من العمر لاتسمح إلاّ بقول " هي والله " او النفي الابدي من حالة الآدميّة التي وجد نفسه فيها مرغما ، كما سيذهب عنها مرغما .
العدم لم يكن الوحيد الذي كان يُمرّغ صِباه في أكوام الأديم والحصباء ، التي كان عليه نسفها وحملها على ظهر حماره الاهزل مقابل كُرْوةً يومية تسد نزراً من رمق . كانت هناك سطوة الأب الذي حرم حارث قبل فطامه من أمّه عندما أحالها الى التقاعد من ستار الزوجية في فورة من فورات الغضب الأحمق التي تتملك هذا الأب ويفرغها عنفا وركلاً جسدياً ونفسياً في من أقرب اليه من نفسه . السوط الأبوي الجارح كانت تنهال أنساعه على حارث في كل غدوة يجأر فيها بهمس شكوى مما يكابده من آلآمٍ في ظهره تكوَّمت عليه من أحمالٍ لا يطيقها . ونفس السوط يلقاه في روْحته اذا كانت الكروة أقلّ مما ينتظره الأب " الرؤوم " , أمّا كروة حارث الحقيقية مسبوقة بركلة صمّاء ، فهي قصعة من تمر يلقيها أبوه اليه كي تبقيه ذا زفير وشهيق ، قبل أن يستسلم حارث لنومة قسرية سحبته إليها أوصالٌ أضنيت وتقطعت ، ليس بينها الإحساس بأي الم ، سر من اسرار الجسم الذي ينتصر لنفسه عندما يُصلى ، والروح تكمن في الحنايا تراقب فجع كُناسها ، لا حيلة لها وهي لا تزال في مهدها أو في بواكير مشاهدها وملاحمها العابرة لقناطر الايام بكل جثماتها .
حارث الان في سنه السبعيني غيره عندما كان يقاسي الثلاث الأثافي في مقتبل عمره : حرمانه من أمّه في مضجعه الذي يأوي اليه ، قساوة الأب غير الآبهة بطفولته وصباه الغض ، وقساوة العيش الذي لم يعهد له مسمى أو معنى غير ما تُكلَم به النفس ويُوجِف الفؤاد وتذوى به الروح ويعلُّ به الجسم ، لكنه مازال وبظهره المنحني قادرا على أن يقذف بسهام الحياة في اتجاه تنبعث فيها سوقها من احضان تلك الكدمات التي بعّجت طفولته ، لكنها عجّلت من رجولته ورصّت من هِمِيّته عندما صابر وكابر ثم ثابر ليجعل من آلآمه مرجل حماس نحو النضوج ، والاستعداد الموسوم بكل اندفاع بقبول التحديات ايا كان نوعها وحجمها . هو يتذكر الان ان تلك الليالي التي كان يبيت فيها ، ويداه وقدماه لازال بها عوالق من تراب او بقايا من طين كانت المقدمة الطبيعية للقفز نحو واقع اخر مجهول النتائج ، بحكم الزمان لكنه واضح المرامي ، بفعل ما كان يعتمر في نفس حارث من لجج نحو الخلاص بكل ماهو متاح . والمتاح في حينها لم يكن إلاّ الهروب بليل من قبضة الأب ، الذي حوّل ضعفه الخَلقي الى تسلطٍ صبّت عليه متلزمات الحياة في وقتها ، من وقودها ما زاده اواراً واستفحالا ، مع تَمنٍّ باسترجاع ماضٍ حافلٍ بالتزعم عندما كان جدّه على صهوة الرئاسة من قومه ، لكنّ هذه الرئاسة انسلّت إلى فرع اخر منهم ، في غمرة تشاحنٍ وتطاحن قبلي ليس غريباً عنه المجتمع في الزمان المتواتر على ضفتي الوادي الذي يشقُّ المكان المتسالم دائما مع كل صيرورات وصروف الزمان . لكنّ معاناة حارث مع واقعه وأحلامه للخلاص منه او لتغييره ، رغم الحاحيتها ، لم تنتزع من أعماقه ودفائن وجدانه ذلك الشعور الانتمائي الى أرومته بشقيْها الأبويين ، وان كان الشّقان يلتقيان من قريب في جذر واحد . هو لديه قسط محفوظ من السور القرانية اكتنزها في سرائر حفظه من تلاوات جده لأمّه في السنين الاولى من طفولته ، عندما كان يتم تحفيظ السور القرانية بدءًا من سورة " الناس " له واقرانه في سبلة البيت ، حيث الجدُّ الطاعن يحضر الاقران ممّن في سن حارث لتعلم قراءة السور القراءنية ثم حفظها . ومن هذا التعلم والحفظ يتعرف المتعلم على حروف الهجاء العربية بدءاً من الالف وحتى الياء ، ويكون ذلك تمهيدا لمن يتمكن فيما بعد من معرفة الخط ويكون قادرا على القراءة والكتابة .
حارث مع كل ما يختلج في بواطنه من نوازع يتمنى الآن أن يجد كوَّةً ، تسمح له بذلك الضوء الذي سيكون متسعا عندما يفترش احلامه العريضة فيسبح فيه باجنحة الامل بان الحياة افسح من ان تضيق في ضائقة التسلط الأبوي الرابض على صدره كما يصطليه في كلّ صباح ومساء . هو يكابد الأمرَّين من اجل ان ينال الحسنيين ، مُرَّ القسوة الابوية ومُرَّ النوازع للخلاص دون اثر من عقوق ، تنديه في قرارة نفسه ، وهو يسترجع بعض الايات ، تنديه ببصيص نور ينسل داخل اوصاله ، حتى مع حومة المكابدة التي يتقوّاها في طاعته لابيه تحت لهيب شمس حارق ، او عندما تكون قدماه قد رُصَّت عليها اكداس من جبس او صاورج لا زال يجري جريان الحمم في حوزة عمله ، وفي الهجيع تضطرم الاحلام لكن نفس الايات تؤنسها لتكون رصيدا ودفترا او خطة للعبور على الحواف دون الوقوع في الاواسط .
أُمُّ حارث حُرمت من ان يكون ابنها الوحيد في لملمة الجدران التي آوتها من قبل ، ثم عادت اليها من قريب بعد ابعادها من بيت الزوجية ، ولكن وان كانت تسكن على الضفة الاخرى من الوادي فإنها كانت تحيا بكل ضلوعها وحوانيها في الضفة التي يستقيف تحتها حارث ، وهي ان كانت ملمومة بدفء البيت الكبير لدى الاب الكبير ، إلاّ انها لم تكن ترى الا بعيني حارث ولا تسمع الا باذنيه ، وقل ماشئت في أنها تكتوى جمرات من العذاب الخالص معدنه كلَّما انصهرت احاسيسها مع توجعات ابنها التي لم تكن تغب عنها خلفتي الليل والنهار ، وهي ذاتها كان لديها ما يعتمر في داخلها من تفكير يؤوب بحارث الى ما سبقت أن منَّت بها نفسها ساعة رأت عيناه النور ، مع كومة الاحاسيس المتبادلة بين الأُمِّ والابن يظهر التلاقي الوجداني النابع من اعماق الاعماق ، ليكون تلك الشحنة الايجابية النصيرة للفعل الايجابي ، ومثل هذه الاحاسيس تتعدى ما يعرف بتوارد الخواطر ، لانها تتغذي من منبعين : المعاناة والاندماج الفطري والروحي بين طينة الأمومة وسرها السرمدي ، وبين ذلك الانجذاب الربَّاني نحو الأصل ، واي اصل ؟ أليس هو الذي قيل ان الخالق تمثل به لتقرير أضعاف رحمته بعباده ؟ ، تقول لولدها يوما : اذا كان ما يريده والدك ويرضاه ان تكون مُعيلا له ولبيته واولاده من عمته الزوجة البديلة ، فلماذا لا تبحث عن عمل في مكان اخر ، ولكن العمل يا أُمّاه غير متيسر في بلدنا إلاّ من النوع الذي اقوم به الان ، او اذا خرجت مع الخارجين الباحثين عن الاعمال في البلاد الاخرى ، وما اكثر اعداد الباحثين عن مصدر الرزق ايامها واللاجئين بسببه الى الاغتراب والتجانس مع ضروبٍ شتى من الاعمال ، منها ممّا لم يعهدوه من قبل ، ومنها ما استبيح وصما لوصفهم بما لا يليق بالمجتمع الذي شرّبهم كل كأس من الكرامة وعُلوّ الهمّة وسقاهم من جوابي طالما نضحت بالسُّمو ، وعبَّوا منها زلال السموق في حياض من الطول الانساني استقرت ابجديته بكل مفرداتها ومعانيها في اسفارخالدة خلود الوطن والارض ما استوت وهادها وتسامت اكامها .
فكرة الاغتراب تُلقيها الأُمّ امام ابنها بعذابات الصبرعلى واقع لا يخفف من اوجاعه الا الاصطبار ، وبعذوبات احساس في الفؤاد بأمل نوراني كاشف لما هو أبهى من مجرد التوجع والشكوى ، والفكرة نفسها كانت قد بدأت تتخلق في مكامن حارث النفسانية بعد ان بذرتها احلامه المتواترة في الخروج الى الأرحب والأوسع من مجرد الطاعة البيتية الى الطاعة المجتمعية التي تستوجبها ضرورة الانتماء الدال على الجزئية التجمعية في الاخذ والعطاء لا على التجزئية الماحقة لاي سهم ايجابي في هذا الانتماء ، بقي عليه وقد حصل على بطاقة الدعم من مصدره الاوكد ، ان يرسم خطوات التنفيذ والعمل للسفرالى حيث سبقه كثيرون من اقرانه ، وقطعا عاد اكثرهم بغير ما اكتفى به " ذو القروح " ، ومع صدق عزم ووضوح سبيل تأتي الايام لتعطي بطاقات التأييد وتكنيس الزوايا مستقيمها وحادها ، ليس اضعفها ان اخيه الاكبر غير الشقيق غيّر من اتجاه والد حارث تجاهه من حيث كونه حمار الاثقال كلها ، وهو قطعا كان غير حمار الاسفار الذي لا يعي ما يحمل . فحارث مع ما ناله من تلقين قراني مكّنه من محو أمية كانت ضاربة باطنابها في الزوايا الاربع ، استطبع بميل فطري للمعرفة وسهم لامح من الذكاء العفوي ، فيورد به موارد صافية من هذه المعرفة ، لتكمن في أعماقه دون تهديد من نسيان ، او تعكير او شوشرة من غثيان من هرطقات وغيرها ، فاصبح زاهر الفرع البديل الذي لايستغني عنه الاصل ، ويريده الى جواره ليغطي اي سحوبات على المكشوف ، باتت مع مرور الايام أمرا متجسدا ، ان لم يكن بواقعه فبتصوره ، مع احساس مترادف بالوهن الجسدي يوازيه وهن اجتماعي لا بد من تعويضه ، ان غار الجسد في ارذليته ، فبالمال ، وان نضح المال عن اخره فبالولد صاحب التثنية في " زينة الحياة الدنيا " ، محفزا بكل المؤاتيات التي في اليد . يستفحل حارث بطاقة غير معتادة ويلقى امام ابيه عزمه على السفر من اجل العمل ، وعلى عكس ما اخذه هذا العزم من ترسيم وتقطيع وتمرير بخيوط فتل وأدم يأتي رد الاب فيقذف في جه حارث بمرعدة هي مما هو معتاد من حادِّيى الطبع غليظي القلب : " اطفر غيب حيت تبغى " ، وهي مما تعود حارث ان يسمعه من ابيه ، لكنه ان كان مستعدا لسماع الفاحش غلظة من هذا القبيل وغيره لم يكن مهيئا ، كما اصطبر سنين على ذلك ، للحصول على دمغة القبول من المرة الاولى لاي من رغباته واراداته ، فجاءت الرياح ،على غير عهدها بالنسبة له ، كما تشتهي السفن ، وهو الان وقد انسحب الى مخبئه الجانبي يعمل على اغتنام " رياحه " و تقوية اشرعة الابحار في الاتجاه الذي تشتهيه نحو شواطئ تدنو منها الامواج خجلى فتتعانق مع رمالها تعانق الايب من البعيد فتلقي باجسادها الزبدية ، بين فيقة وأخرى ، فراشا ابيضا وقد " سقته أياة الشمس " دلائل سلام للقادم من ذلك البعيد . وعلى مشارف هذه الشواطئ تترابى مدن حضرية ناشئة بعد فوران أسْوَد باطنها ، ليعطي المكان انعطافة جديدة من انعطافات الزمان التي تتحول بها الامكنة الى حيضان تتماوج فيها هبات متلاحقة ، من اعمال وأحمال تعج وتضج بهمم الرجال ، التى اودعوها ما افتتلوه من جهد وصبوه من عرق وتناوشوه من تطلع الى الافضل . تاخذ هذه المرابع التي تتجدد الان لتصحو من غفوات الزمن البعيد مسميات العهود القديمة ، وما استكنته من طوايا او صاغته من مقاصد لساكنيها او نازحيها . فمنها المنامات الوادعة وداعة المياه ذات الاخضرار الفستقي كما شقت حبابها يوما " سفين ابن يامن " . ومنها ما استظل به دوحا وارفا في هجير من نهار او هجيع من ليل ، وقد كانت الاعمال مما سعى اليه حارث ورفقاؤه ممن سبقوه او صاحبوه في رحلته ، لكن ماذا عن الاحمال ؟ والاحمال ليست تلك المستوجبة معنويا وجسديا لاي عمل ، كلا ، انها الاحمال التي ترك بسسبها و هاجر موطنه واهله " وان جير عليه " الاحمال التي ستضغط على عظمة كتفه ، فيتتابع الثقل احساسا ووجعا حتى اخمص قدميه ، وهنا يدخل حارث في دوامة اخرى من الالم الضميري ، فان صناديق المشروبات الغازية وغيرها التي عليه ان يحملها وينقلها من كتف الى كتف هي ذات القفير من التراب الذي كان عليه ان يضعه على الثوج لينقله الحمار الى مكان " الغيلة " حيث يخلط مع القش ليشكل خليطا طينيا به بعض من التراص والمتانة لاقامة الجدران والبيوت الطينية ، مع فارق مهم ان الذي يزجره مع الغيلة هو من له حق لا ينازعه احد فيه ، وان جاء غليظا قاسيا في اكثر الاحيان لكنه من الاب الذي رباه وحماه واواه ومنه سيستلم اوار عزّه ، اما مع هذه الصناديق التي ينوؤ بها حمله وظهره وروحه فان الزاجر هو " الصاحب " , لكنه اي صاحب ، لا هو الصاحب بالجنب ولا الصاحب في السفر ناهيك عن الصاحب في المرؤوة ، انما هو رب العمل الذي جير على العربية بان يدعى بهكذا مسمى ، وهي من المفارقات العجيبة التي سللتها األْسُنٌ " ترطنية " في تلك الحومات من العمل . فالصاحب هو رئيس العمل من دول العالم المتقدم ، والرفيق هو العامل من الدول القريبة منا شرقا اما اذا كان من سحنتنا وارومتنا وعروبتنا فهو " أينبي " ، لم يكن لحارث من حول الا ان يتجرع الواقع المر كما يتجرعه الاغلبية من ندماء الاصطبار على الثالوث البغيض الغربة والحاجة وقبول الهوان ،ولكن حتى متى ، اذا كان في حومة عزه وموطنه كان يراجع في بواطنه فيما عسى ان يفعل عندما كانت تشتد عليه فورات ابيه ، فان عزمه هنا كان جازما حازما لان لا يعالج المُر بالأمرّ ف " أهلي وان جاروا علي كرام " ، وان تغتبر يداه او تتلطخ قدماه فمن اديم كريم وارض طيبة . هي شهور لا اكثر حتى يضع حارث قدميه على مركب الاياب بأنفية قومه وهامته التي سمت بها قامته ، وقامته التي شكمتها ضلوع لم يكن نسجها الا كما نسجت بها جذوع " البكس " في عنفوانية اشرئبابها تشق عنانا فوق عنان ، حتى اذا اكتملت عوانيتها زادت رسوخا وسموقا وندت من عذوقها المتعثكلة كل زاد منعم للعيش .