سبحان مَن سجدتْ ، تُطيعُ ، طوالُها
وقِصارها ، وعَنَتْ إليه جبالُها
وخَلَقْتَ ربِّي نَجْدَها ووهادَها
وأتَتْ إليك مع الأُباةِ ذِلالُها
وبها جعلْتَ رواسياً ، وأقَمْتَها
في الأرضِ حتى لا يميدَ ثَقالُها
شِدْتَ السماءَ كواكباً وزواهراً
ومَهَدْتَ أرضاً كي يلينَ عَبالُها
وَ شَققْتَ بين الراسياتِ فِجاجَها
تجري المياهُ بها ، يطيبُ زُلالُها
فرَوَى النفوسَ فعالَها وخَلاقَها
وكذا الديارُ نَمَتْ به أموالُها
ومتى المياهُ جرت على وديانِها
فلقد - بِذا - جادتْ لها أجبالُها
وهل الحضارةُ في امْتِدادِ عصورِها
بُنِيَتْ ، وما رَفَدَ البنا سِلْسالُها ؟
أنْظُرْ إلى المُدُنِ العِظامِ فَكلُّها
عُمِرَتْ بإنهارٍ هَمى إِسْبالُها
أُمَمٌ تسامتْ في العلوم تمايُزاً
من بعدما ملأ الحقولَ مَسالُها
وتَشَرَّبَتْ وتَجذَّرتْ شَجَراتُها
حتى إذا ورِقتِ ، تجود غِلالُها
لكِ في الجبالِ أيا عُمانُ شَواهقٌ
قِمَمٌ تَعالتْ في الذُّرى أنصالُها
تتجاذبُ المجدَ الأثيلَ بصخرها
وربا على عِكَرِ الزمانِ حِيالُها
لا يأْتِ ذِكْرُِ منافعٍ وفضائلٍ
إلاّ وزاد نصيبُها ومنالُها
وُجِدتْ على مرِّ الزمانِ شوامخاً
وخَوالداً ولها السما طَربالُها (١)
وتَسنَّمتْ صدْرَ المكان رؤوسُها
وتَحدَّرتْ تروي الرُّبى أنسالُها
وهي التي ترجو السهولُ غنيمةً
مِن خير ما بعثَتْ به أهطالُها
وبفضلِ موقعِها امْتدادَ جوانبٍ
جادتْ - على زَخَمٍ - لها أسْيالُها
وبغير ما سمحتْ به مُتتابعاً
ما ساحتِ الوديانُ أو أغيالُها (٢)
حُرِثتْ مساطِبُ في عُلا هضَباتها
وجَرتْ ينابيعٌ وشُقَّ قنالُها
وإذا السحائبُ روكِمَتْ برؤوسها
سكبَ الحيا فتراجعتْ أمحالُها
أرأيْتَ لو كانت سفوحاً بلْقعاً
أوَ تَنْبتُ الأعوادُ أو أمْثالُها ؟
جبلُ الشموس تعاضدت جَنَباتُه*
وبدتْ خواصِرُهُ يطيرُ شِوالُها
فهناك للرّيحِ التي مرحتْ بهِ
آياتُ زَمْجرةٍ تطيشُ فِعالُها
ولأنَّهُ أعلى الشواهقِ قِمَّةً
رُصِدتْ شُهورٌ فاسْتبانَ هلالُها
وعلى السفوحِ تمازَجتْ ألوانُها
أنماطُ أصعدةٍ يبوحُ مقالُها
وكأنَّها فُرِشِتْ نثارَةَ عَلْعَلٍ(٣)
يزدادُ في الغَلَسِ الأنيسِ بِلالُها
ولهُ المزالِقُ والهضاب شِعابُها
عَجَباً تشابُكُها ، وشَقَّ وِصالُها
ومتى الغمامُ تتابعتْ أنواؤهُ
ستَرى المطارحَ ساكباً شلّالُها
وإلى السهولِ على الشَّمال مرادُها
وجُنوبِها تجري المياه : سجالُها
فتعشَّبَتْ " بهلا " كذا " الحمرا " رُوَتْ
وانْسابتِ " الرستاقُ " فاضَ مسالُها
لك أيُّها " السَّمْحانُ " طيبُ حكايةٍ*
ونضارةٌ وغَضارةٌ وخيالُها
ما مَن دنا مِنك الهُوَيْنى ناظراً
إلاّ ويدعوهُ العناقَ جَمالُها
ورَسخْتَ بالأرضِ التي مُتجاورٌ
فيها الخمائلُ والنمورُ رِعالُها (٤)
وتزايدَتْ فيك المفاتنُ بهجةً
وكفى الربوعَ إنارةً شُعّالُها
وتبسَّمتْ مِلَحُ الحياةِ سعادةً
وسَوادِحُ الخيرات يدنو فالُها
والرّوْضُ والدّوْحاتُ تفرشُ ظِلَّها
ومرابِطُ القُصّادِ طابَ حِلالُها
تتوافدُ النّسْماتُ في زهواتِها
فترى المساكبَ ساجِماً مهْطالُها
وأتى " الخريفُ " وماؤهُ فتَشخَّصَتْ (٥)
حُللُ المكانِ وما يُتاهُ مجالُها
وعلا على " القَمَر " الفسيحِ نداوةٌ*
وإضاءَةُ القمر الرفيعِ كِلالُها (٦)
سَحَبَ الجَمالُ بساطَهُ وأتى إلى
حيثُ الجِمالُ يُرى لها إذْمالُها (٧)
وتنّضَّرَتْ " رَخْيُوت " واعْتَلَّ الهوا
" ضَلْكوتُ " طابَ لها الهوى ودَلالُها
" صِرْفيتُ " في الجبل الرشيقِ تجانَستْ
والبحرُ جارٌ والتلالُ سِقالُها
عَرفَ الربيعُ مكانَه فأتى هنا
قَبْل الزمان فقد حَوَتْهُ تِلالُها
ولأخضَرٍ جَبَلِ المحامدِ صورةٌ*
رُسِمتْ على الذّهْنِ الوسيعِ ظِلالُها
مِن كلِّ ما خلَقَ البديعُ تَفضُّلاً
تَجِدُ الطبيعةَ مُدِّدتْ أحبالُها
كم تَسْتَبيكَ مناظرٌ لجبالها
شمختْ على صِرَفِ الزمان جِذالُها (٨)
والنَّحْتُ آيةُ ربِّكَ الْحُسْنى التي
وضحَتْ بياناً لامِعاً توبالُها (٩)
ولكلِّ ناحيةٍ تَحومُ حيالَها
تتجسّدُ اللوحاتُ بانَ جَلالُها
وكذا هي الشُّرُفاتُ في عليائها
تُفضي بما زخرَتْ به آطالُها (١٠)
وهنا ترى مُتصافِحاً عِظَمَ الثّرى
وصلابةَ المبنى بناهُ رجالُها
لكَ إنْ ذُهِلْتَ بما شَهدْتَ منازلاً
شَكْلَ القصورِ على الصخورِ شيَالُها
ولكَ انْتِزاع الذّهْن مِن شرْداتِهِ
ببواعث التاريخِ شَبَّ أثالُها (١١)
فهو المكانُ إذا اغْتَدى وصَحابُهُ
مُتمازجاً نُسِبَتْ إليهِ فعالُها
تتعرَّجُ الطُرُقاتُ في أنحائهِ
وتَرى البراعةَ باسطاً أشكالُها
وتَهَنْدَستْ في الأرضِ من أحْدارِها
تلك المساطبُ زاهراً مِقبالُها
وهي التي نظمتْ على حِقَبٍ مضتْ
عيْشاً لِمَن سترَتْ لهُ أسْدالُها
واخْضَرَّ مِن أفنانها وغصونها
إسْمٌ زكا جَبلاً عليه حَمالُها
أوَليس أجْوَدَها لفاكهةٍ متى
نَبَتَتْ هنا وربى بها صَلصالُها (١٢)
رُمّانُها مع جوْزِها كَسَبا الرّها
نَ بُعَيْدما كَشفَ المذاقَ أكالُها
وتزوَّدتْ " نزوى " كفايةَ سوقها
ومشى الحديثُ بها يُزانُ نوالُها
ولِنَسْمةِ الحُبِّ الدَّفيءِ عليلُها
ويَجودُ مِن عَبقِ الورودِ نَفالُها
وإذا سألْتَ الرّوحَ عن رَغَباتها
فإليهِ حَجّتْ طائراً كَلْكالُها (١٣)
في كُلّ وقتٍ للهجيرِ ضَراوَةٌ
تَجِدُ النسائمَ نافحاً شَمْآلُها
وبدفْتر العُشّاقِ سَمْطَ قصائدٍ
كُتِبتْ بماءِ الزّهرِ درَّ عَسالُها
سُحُبُ العنايةِ أرسلتْ ومَضَاتها
ومِن القديم تتابعت أنهالُها
واليومَ ، في كَنَفِ الرّعايةِ بعْدما
بولايةٍ جُعِلتْ ، علا مِثْقالُها
تهْفو إلى العَتَباتِ مُدَّ فناؤها
كلُّ النفوسِ لكيْ يذوبَ خَمالُها
ولكيْ ترى سفْراتِها ومصافَها
بمرابعٍ ، دِيَمُ البلادِ هَطالُها
ويُباحَ أنْ يُعْطَ الْمواطنُ منْفذاً
أرْضاً ، شِراءٌ قد جرى ، ومآلُها
فبذا يكون عمارُها ، وتُصانُ من
سَفَرٍ لما ذهبتْ لهُ أموالُها
وتكون مِصيافَ الأنامِ صلالةٌ
أو أخضرٌ جَبلٌ ، فحِيزَ كمالُها
* الجبال الواردة في القصيدة هي جبل شمس والجبل الأخضر بمحافظة الداخلية ، وجبل سَمْحان وجبل القمر بمحافظة ظفار من سلطنة عمان .
١- الطَربال هو الغطاء أو البناء الفوقي .
٢- أغيالها جمع غيل وهو الماء الجاري .
٣- نبات العَلْعَلان الموجود في الجبل .
٤- الرّعال : مقدمة القطيع .
٥- الخريف هو موسم المونسون في ظفار .
٦- الكِلال : جمع كلّة وهي الغطاء من القماش الخفيف .
٧- الإذمال هو الذميل من مشي النوق السريع .
٨- الجذال جمع جِذْل وهو رأس الجبل هنا .
٩- التوبال : معدن .
١٠- آطال :جمع أطَل وهو الخاصرة والمقصود هنا الجوانب .
١١- الأثال هو المجد .
١٢- الصَلصال هو الطين والمقصود التراب عموماً .
١٣- الكلكال هو الصدر .