سماويّةٌ طافت بقربي تُصيبُ
لحاظٌ لها أمْطرْنَ قلباً يذوبُ
هممتُ وبادرْتُ الحديثَ مُلاطِفاً
كما لحظَتْ صدّتْ ودلَّ مُجيبُ
فقلتُ أُداري ما اعْتراني صبابةً
أيا قلبُ لا تهلعْ كفاك وجيبُ ١
وُقيتَ العَنا من أوّلِ الدّرب والأسى
وعدّاكَ غُلْبٌ فيك منه نصيبُ
ألا تسْتفيقَ الرُّشْدَ فيك ، وقايةً
وكيف نسيتَ الأمسَ وهْو قريبُ
أمِنْ أجْلِ عيْنٍ داهمَتْك بسودها
خضعْتَ ؟ وكم أغواك منها هُديْبُ
وكم بعدَها ذُقتَ المرارَ على القذى
وعُدْتَ كما أبدأْتَ ، تُعْزى مُثيبُ
سهامُ العيونِ السودِ دوماً مُصيبةٌ
وقَنْصٌ لها للإنتشالِ عصيبُ
ألسْتَ تراها في الغماد حبيسةً
متى غادرَتْ ، صرْعاً يُسجّى لبيبُ
فكن ما اسْتطعْتَ الأمرَ منها بمعزلٍ
وإلاّ أُسِرْتَ العُمْرَ فيه تَشيبُ
خُذ الحزْمَ عنواناً يُريكَ طريقةً
تُحاذرُ منها أنْ يجيشَ نحيبُ
هو الحزْمُ أو عزْمٌ متى كنتَ قابضاً
فقد صُنْتَ أحلاماً أبيْتَ تَغيبُ
هي النفسُ لا تحْيا بعيشٍ هنيئةً
إذا لم يكن عزْمٌ لها ودبيبُ
حِراكٌ برسْمِ العازمين إرادةً
تُحازُ به الآمالُ عيشاً يَطيبُ
ولا ميْلَ للأهواء مِن أيِّ جانبٍ
يَحيدُ عن الطبْعِ السليمِ يُريبُ
تجَمَّلْتُ بالخُلْقِ الحسينِ سجيَّةً
وأهدى أبي منْهُ لباساً أجوبُ
وأكسبَني حبَّ المعالي عظيمةً
أتوقُ إليها ، بالْتماسٍ أُصيبُ
وأسّستُها تقوى تكون بدايةً
لكلِّ المعاني قَصْدُها لا يُعيبُ
وفوق الأساسِ الصلْبِ تُذكى شكيمةٌ
من الصخرِ أقْسى ، والمضاءُ لهيبُ
هو الجِدُّ ، لا يكفيك غيثٌ ، وإنْ همى
تُحَيْتَ السحابِ الحُرِّ ماءٌ سكوبُ
هو السّعيُ ، لا يُغنيك جَدٌّ ، وإنْ بدا
على طَرَف الأرجاء وِرْدٌ عَذوبُ
وإنْ كانت الآمالُ تدنو بمَعْوَلٍ
فَصُنْها يميناً غرْسُها لا يَخيبُ
عليَّ بما أعطى وأسداهُ لي أبي
كنوزُ خصالٍ للفعالِ رقيبُ
فمنها البِدارُ القاصدُ الأهلَ واجباً
يُؤَدّى بلُطفٍ ترْتضيه القلوبُ
ومنها السباقُ الجابرُ الخاطرَ الذي
تولّتْهُ أوْجاعٌ وعزّ طبيبُ
وللصَّحْبِ إيفاءٌ وحقٌّ ، فلا يُرى
إذا جاء منهم ما يُجافي - قُطوبُ
فهم إخوةٌ تسمو النفوسُ بحُبِّهم
كذا هُمْ يقينٌ والزمانُ يَنوبُ
وللحقدِ لا أرضاً يلوذُ بها ، ولا
مكاناً لدى العُقّالِ فيما يحوبُ٢
متى ما علا ندْبٌ يُعالَجُ بسْطةً
وللصفحِ والغفران سطحٌ رحيبُ
وللناسِ كلِّ الناسِ قدْرٌ وموضعٌ
وللخيرِ ساحاتٌ إليها نأوبُ
وللّيلِ وادٍ لا نرومُ سفوحَهُ
نرى الصُبحَ إشراقاً إلينا يثوبُ
ومَن يبتغي الظُلْماءَ فهْي سبيلُهُ
لهُ السّحْلُ نُدْمٌ والنقيقُ صَخوبُ
ومَن يزرع الشحناءَ فهْي عجينُهُ
له الغمُّ خُبزٌ والهمومُ زبيبُ
ومَن لا يرى إلاّ صبيغةَ ثوبهِ
له الشوكُ درْبٌ والعَثارُ صَحوبُ
ومَن يتكبّرْ لا يراعي حفيظةً
له الخُوصُ شالٌ والإزارُ قصيبُ٣
وياء عجَباً من قارئ الحمْدِ مُصْبحاً
ويضحى ينادي ، للشقاق يُهيبُ
ويا عجَباً من طالبِ الهدْيِ داعياً
وفي جوْفهِ غِلٌّ إليهِ رَغوبُ
ويا عجَباً ممَّنْ يُلاقيكَ باسِماً
وفي النفسِ غَلْيٌ لو يُلاقيكَ ذيبُ
أتلْكَ التي أدْنى جناحِ بعوضةٍ
وراء احْتظار الطبْعِ وهْو شبيبُ؟
فماذا عسى أنْ يُجْنَ منها خُلاصةً
ونحن وإيّاها كيانٌ نَضوبُ
أُتينا إليها للعمار وحسبُنا
نؤَدّيهِ صِرْفاً يرْتضيه الحسيبُ
تُرافِقُنا الأيامُ قصْداً ونُبْتلى
وأحوالهُا : برقٌ ندى أو خَلوبُ٤
وفي كلِّ حالٍ نسْتظلُّ بوارفٍ
نُباصِرُ في سيْرٍ فثمَّ غُروبُ
هي الرحلةُ الكُبرى نخوضُ غِمارها
ونقضي بها ديْناً إلى مَن نَتوبُ
هي المسرحُ الدوّارُ فيه رِحىً لنا
ومنْها طحينُ العُمْرِ يُذْرى سَروبُ
هي الليلُ وادٍ إنْ عشِقْتَ ظلامَهُ
هي الفجرُ نورٌ إنْ دعاك تُجيبُ
١- وجيب : خفقان القلب
٢- يحوب : يأثم
٣- قصيب : مُقَطَّعٌ
٤- خلوب : لا ماءَ معه .